عبد الفتاح عبد المقصود
128
في نور محمد فاطمه الزهراء
إعلان الدعوة بدأ هذا ذات صباحٍ ، ختم مرحلة الخفية والاستتار . ففي ضحوة نهار ، في ساعةٍ من ساعات تلألؤ النور ، في لحظة تؤذن بقرب إشراق الأرواح ، وانطلاق الأفكار ، واستواء البشر وإن تباينت بهم المنازل والأقدار ، وتغايرت العناصر والأبشار ، صعد محمد على الصفا ، يهتف بالناس : « يا صباحاه ! » . فتوافد القوم على النداء ، من هنا ومن هناك ، وقد أخذ منهم الدهش ، ينتظرون ، وكان صوته مجلجل الرنين ، كلّه نذير : « أُتيتم ! أُتيتم ! » . ومضوا يتساءلون : من هذا الذي يهتف ؟ فإذا هو يقول : « أنا النذير العريان » . قال قائلهم : هذا محمد على الصفا يصيح ، فتزاحموا ، حتّى زحموه ، وسمعوه يدعوهم قوماً قوماً : وداراً داراً ، ثم يقول : « إن أخبرتكم أنّ خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم تكذّبوني ؟ » . بغير تردّد أجابوه : لا واللَّه ما جرّبنا عليك كذباً . فقال : « يا معشر قريش ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإنّي لا أُغني عنكم من اللَّه شيئاً . . . إنّي لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد » . لكن كلمة التوحيد التي دعاهم إليها لم تجد بينهم لا أُذناً تصغي ، ولا عقلًا يعي ، ولا قلباً يفقه ، غلبت عليهم شقوتهم ، فاستعصموا بالضلال ، قابلوا الرحمة المتنزّلة من اللَّه بالاستهزاء ، راحوا يتندّرون : إنّ غلام بني عبد المطلب ليزعم أنّه يكلّم السماء « 1 » ! * * *
--> ( 1 ) . راجع صحيح مسلم 1 : 193 ب 89 كتاب الإيمان ح 355 / 208 ، البداية والنهاية 3 : 36 وما بعدها .